
كيف حوّلت أسماء الأسد الإغاثة إلى سلطة موازية؟
وظل هذا الدور محمياً بعباءة الإغاثة والتنمية على مدار عقدين من الزمن، قبل أن تتكشّف أوجهه الحقيقية بعد سقوط النظام على لسان شهود وموظفين سابقين قرروا الكلام للمرة الأولى.
ويوضح محمد البها، المسؤول السابق عن التمويل الأصغر في حلب وإدلب لدى المؤسسة، تفاصيل هذا الدور في حلقة "وراء اللافتة" من برنامج "404"، مؤكداً أن المؤسسة منذ تأسيسها وحتى سقوط النظام لم تكن سوى أداة سلطة تعمل خلف واجهة إنسانية.
وأسست أسماء الأسد المؤسسة عام 2001 في غياب تام لأي منظمة مجتمع مدني مستقلة، مما منحها احتكاراً شبه كامل للعمل الخيري في سوريا، وتوسعت لاحقاً لتشمل 15 مركزاً في عدة محافظات.
وكان نفوذها يتجاوز الوزارات والمحافظين، إذ يُفيد الشهود بأن مديري فروعها كانوا يوازون في صلاحياتهم ما يفوق صلاحيات المحافظين، مستندين إلى قربهم من السيدة الأولى وما يمنحه ذلك من سلطة ضاغطة على رجال الأعمال والأجهزة الأمنية.
ووثّق البرنامج آليات الفساد المالي والإداري داخل المؤسسة، من بينها هيكل تنظيمي يضم أكثر من 200 موظف إداري مقابل 20 موظفاً ميدانياً فحسب، ورواتب في دمشق وصلت إلى نحو 23 ألف دولار، فضلاً عن فاتورة صيانة حافلة بلغت 3.5 ملايين ليرة سورية لمجرد أن المشرف عليها كان السائق الخاص لأسماء الأسد.
الاستيلاء على الأراضي
وتكشف الحلقة أن المؤسسة وظّفت المهرجانات الثقافية غطاءً لعمليات استيلاء منهجية على الأراضي، إذ أفضت مزادات نُظّمت تحت اسم "مهرجان الفستق الحلبي" إلى نقل ملكية نحو 70% من أراضي بلدة "مورك" في ريف حماة إلى موالين للنظام، وهو نمط تكرر في مناطق سورية متعددة.
ويروي أبناء البلدة المُهجَّرون في مخيمات الشمال كيف وجدوا أراضي عائلاتهم مدرجة في قوائم المصادرة، وريعها موجّهاً لصالح المؤسسة ذاتها.
وفيما يخص العلاقة مع المنظومة الدولية، كشف تحقيق صحيفة "ذا غارديان" عام 2016 أن الأمم المتحدة حوّلت نحو 8.5 ملايين دولار للأمانة السورية للتنمية رغم ارتباطها بجهات خاضعة للعقوبات.
وبين عامَي 2014 و2022، ذهب أكثر من 60% من إجمالي تمويل المساعدات الذي تجاوز 30 مليار دولار إلى مناطق سيطرة النظام، بينما حُرمت منها مناطق المعارضة كداريا والغوطة الشرقية، لتتحول المساعدات الإنسانية إلى أداة لشراء الولاءات لا لإغاثة المحتاجين.
وتستذكر الحلقة مشهداً يختصر مسار الفساد كله: نقل ما يُقدَّر بـ250 مليون دولار نقداً من دمشق إلى موسكو على متن طائرة روسية خاصة، استباقاً لتطورات الأحداث في اللحظات الأخيرة قبل سقوط النظام.
لم يكن ذلك استثناءً طارئاً ولا انحرافاً عن مسار المؤسسة، بل كان تجلياً أخيراً لما كان قائماً منذ اليوم الأول؛ فساد لم يتسلل إلى المؤسسة من الخارج، بل كان هو البنية التي قامت عليها من الداخل.