حرب إيران.. هذا ما دفع ترمب للتراجع والتفاوض

في تحول مفاجئ هزّ الأوساط الدبلوماسية والأسواق المالية والجبهات تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن حافة تصعيد كان يمكن أن يكون كارثيا مع إيران، متجها بدلا من ذلك نحو مسار دبلوماسي حذر تم ترتيبه عبر شبكة معقدة من الوسطاء.
هذا التطور المثير للأحداث حظي بتغطية واسعة من كبريات الصحف الدولية، لا سيما الأمريكية والبريطانية منها، مثل وكالة بلومبيرغ الإخبارية وصحف وول ستريت جورنال وتلغراف وآي بيبر.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsتراجع تحت الضغط
في تحليل إخباري، ترى بلومبيرغ أن هذا التراجع لم يكن قرارا فرديا، بل نتيجة ضغوط سرية مكثفة من حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في الخليج.
وقد حذرت هذه الدول من أن استهداف البنية التحتية المدنية لن يشكل -بحسب الوكالة الأمريكية- جريمة حرب محتملة بموجب القانون الدولي فحسب، بل سيضمن أيضا تحويل إيران إلى "دولة فاشلة" على ضفاف الخليج العربي، مما يؤدي إلى فراغ إقليمي لا توجد قوة مستعدة لملئه حاليا.
ووفق بلومبيرغ، فإن هذا التراجع تقاطع أيضا مع مصلحة أخرى للرئيس الأمريكي، وهي تهدئة الأسواق التي اهتزّت بفعل تهديداته واستمرار الصراع.

وبحسب أشخاص مطّلعين نقلت عنهم الوكالة في تقريرها، فإن قرار ترمب، الذي أُعلن قبيل بدء التداول في الولايات المتحدة بقليل، صُمّم جزئيا لمعالجة تلك المخاوف، وقد أدى فورا إلى هبوط حاد في أسعار خام برنت وارتفاع في مؤشر "إس آند بي 500" وسندات الخزانة الأمريكية.
فقد قالت دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابقة لشؤون الشرق الأوسط، إن ترمب اضطر للتراجع عن تهديد كان من شأنه أن يطلق جولة جديدة من التصعيد، هذه المرة عبر تجاوز عتبة جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية للطاقة، "وهو ما قد يُعد جريمة حرب".
وأضافت: "ليس من قبيل الصدفة بالتأكيد أن يأتي إعلان مهلة الــ5 أيام والمحادثات قبيل افتتاح الأسواق في الولايات المتحدة صباح يوم الاثنين".
وتشير الصورة التي تتبلور حاليا إلى أن جيران إيران في المنطقة ينظرون، في الوقت الراهن، إلى هذه الدفعة الأخيرة من الدبلوماسية باعتبارها مهلة مؤقتة مدتها 5 أيام.
ونقلت الوكالة عن دبلوماسي رفيع القول إن مصر وتركيا وباكستان تقوم بنقل الرسائل بين الولايات المتحدة وإيران. وعلى الرغم من أن المسؤولين يؤدّون دور الوسطاء بين البلدين، فإنه لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى تُجرى هذه المفاوضات بشكل مباشر.
الدبلوماسية تتحرك
في سياق متصل، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال، في تقرير، بعض التفاصيل عن التحركات الدبلوماسية الخلفية التي سبقت هذا التحول المفاجئ.
فقد اجتمع وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان في الرياض في ساعات مبكرة من صباح أحد الأيام، في محاولة لإيجاد مخرج دبلوماسي للحرب.
بيد أن الصحفية ترى أن التحدي الأكبر الذي واجه هؤلاء الوزراء تمثل في غياب طرف إيراني واضح يمكن التفاوض معه، خاصة بعد مقتل شخصيات بارزة، من بينها مسؤول الأمن القومي علي لاريجاني، الذي كان يُنظر إليه كشريك محتمل للحوار مع الغرب.

ورغم هذه الصعوبات، تمكنت أجهزة الاستخبارات المصرية من فتح قناة اتصال مع الحرس الثوري الإيراني، وهو الكيان الأكثر نفوذا في النظام الإيراني.
ومن خلال هذه القناة، طُرِح مقترح يقضي بوقف القتال لمدة 5 أيام لبناء الثقة وتهيئة الظروف لوقف إطلاق النار. وتشير الصحيفة إلى أن هذه المناقشات مهّدت الطريق للتحول الذي أعلنه ترمب لاحقا من مقر إقامته في منتجعه بمارالاغو بولاية فلوريدا.
وتضيف وول ستريت جورنال أن قرار ترمب لم يكن مدفوعا فقط بالفرص الدبلوماسية، بل أيضا بضغوط سياسية واقتصادية متزايدة داخل الولايات المتحدة.
وتشير إلى أن تقلبات الأسواق وارتفاع أسعار الطاقة، والانتقادات المتصاعدة من المستثمرين والرأي العام، كانت وراء قرار ترمب تأجيل الضربات، مما أدى إلى انتعاش قوي في مؤشرات الأسهم الأمريكية وانخفاض ملحوظ في أسعار النفط، مما وفر للإدارة متنفسا مؤقتا.
تقلبات الأسواق وارتفاع أسعار الطاقة والانتقادات المتصاعدة من المستثمرين والرأي العام كانت وراء قرار ترمب تأجيل الضربات
ومع ذلك، تورد الصحيفة أن الوسطاء العرب أبدوا شكوكا كبيرة في إمكانية التوصل إلى اتفاق سريع، مشيرين إلى أن الفجوة بين مواقف واشنطن وطهران لا تزال واسعة.
فإيران -وفق تقرير وول ستريت جورنال- تطالب بضمانات بعدم تعرضها لهجمات مستقبلية وبالحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب، بينما تواصل الولايات المتحدة المطالبة بتفكيك البرنامج النووي الإيراني، ووقف تطوير الصواريخ الباليستية، وإنهاء دعم الجماعات المسلحة في المنطقة.
بيد أن القضية الأكثر إثارة للجدل هي الأزمة المتعلقة بمضيق هرمز. فقد ذكرت الصحيفة أنه بينما يقترح الوسطاء الإقليميون "لجنة محايدة" للإشراف على الممر المائي، رد الحرس الثوري بطلب يتيح له تحصيل رسوم عبور، وهو ما قوبل برفض سعودي باعتبار "ذلك ترسيخا غير مقبول للنفوذ الإيراني على صادرات الطاقة العالمية".

اتفاق إطاري للسلام
من جانبها، كشفت صحيفة تلغراف البريطانية، في تقرير أعده 3 من مراسليها الدوليين، تفاصيل عن الإطار المحدد الذي نتج عن هذه المحادثات السرية.
ووفقا لتقريرهم، كان مبعوثا الرئيس الأمريكي –جاريد كوشنر وستيف ويتكوف– ينسقان بنود "اتفاق سلام من 15 نقطة" أثناء اجتماعهم مع وفود مختلفة في ميامي بفلوريدا.
وتوضح تلغراف أن هذا الاتفاق المقترح يفرض تجميدا لمدة 5 سنوات لبرنامج الصواريخ الإيراني وتفكيك منشآت نووية رئيسية مثل نطنز وأصفهان وفوردو، في المقابل، تقدم الولايات المتحدة ضمانات رسمية بعدم تكرار الحرب.
وبحسب الصحيفة البريطانية، فقد عكس خطاب ترمب، يوم الاثنين، تفاؤلا مفاجئا بشأن هذا الإطار، حيث قال للصحفيين: "15 نقطة. لن يحصلوا على سلاح نووي… لقد وافقوا على ذلك".
ومع ذلك، تشير الصحيفة أيضا إلى شكوك متزايدة في واشنطن، فبينما يزعم ترمب أنه يتعامل مع مسؤول إيراني "محترم للغاية"، فإنه لم يكشف النقاب عن اسم الشخص المقصود خوفا من "تعرضه للقتل"، كما يقول.
وقد دفع هذا الغموض النقاد إلى تساؤل عما إذا كانت هذه المحادثات اختراقا حقيقيا أم مجرد "مناورة" لمنح الجيش الأمريكي وقتا لإعادة التموضع.
صمود بطعم النصر
غير أن التحليل الأكثر جرأة هو ما نشرته صحيفة آي بيبر للكاتب روهيت كاشرو، الذي يعمل محللا لشؤون الأمن الدولي في التلفزيون البريطاني المستقل "آي تي في".
فقد قدّم كاشرو رؤية أوسع لمسار الحرب، معتبرا أنه على الرغم من التفوق العسكري الساحق للولايات المتحدة وإسرائيل، فإن إيران تنجح في توجيه دفة الصراع لصالحها.
وفي اعتقاده أن إستراتيجية طهران تقوم على مبدأ بسيط لكنه فعّال، إذ ترى أن صمودها هو بحد ذاته انتصار. فمن خلال تحمل الضربات العسكرية والاستمرار في الصمود، تسعى إيران إلى استنزاف خصومها اقتصاديا عبر التأثير على أسواق الطاقة العالمية.
ويشير التحليل إلى أن هذه الإستراتيجية تهدف إلى نقل ساحة المعركة من المواجهة العسكرية المباشرة إلى الضغط الاقتصادي، حيث يؤثر ارتفاع أسعار السلع على المستهلكين في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط، وبالتالي على الحسابات السياسية للحكومات.
ومع ذلك، يبدو أن هذا النهج -من وجهة نظر كاشرو- قد يواجه تحديات متزايدة. فبدلا من دفع دول الخليج إلى الضغط على واشنطن لإنهاء الحرب بشروط مواتية لإيران، أدى تصاعد الهجمات إلى تشدد مواقف هذه الدول.

قيادة في الظل
واللافت أن ثمة موضوعا متكررا في الصحف الأربع وهو الغموض المحيط بالقيادة الإيرانية الحالية، فقد اعترف الرئيس ترمب بأنه لم يسمع من المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، بشكل مباشر.
وقد لاحظت صحيفة تلغراف ووكالة بلومبيرغ أن المرشد الجديد آثر البقاء في الظل منذ اغتيال والده في 28 فبراير/شباط الماضي في غارة جوية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة.
وفي غيابه، برز اسم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف كوجه عام للمقاومة. وتصفه صحيفة وول ستريت جورنال بأنه "متشدد براغماتي" يمتلك الشرعية لإقناع المؤسسة الأمنية بقبول الاتفاق.
ومع ذلك، يستمر قاليباف في وصف المزاعم الأمريكية عن وجود مفاوضات بأنها "أخبار كاذبة" تهدف إلى "الهروب من المستنقع الذي وقعت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل".
ومع بدء العد التنازلي لمهلة الأيام الخمسة، تتجه أنظار المجتمع الدولي نحو إسلام آباد بباكستان، كموقع محتمل لاجتماع مباشر بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين. وتذكر الصحف أن الدول الوسيطة تعمل على عقد قمة تضم كوشنر ويتكوف، وربما جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي.
وكما توضح التقارير الأربعة، فإن الطريق إلى السلام لا يزال محفوفا بالمخاطر والتحديات. ففي كواليس المفاوضات والتهدئة، تدور معركة أعمق تتعلق بتوازن القوى، وإدارة الأزمات، والقدرة على الصمود.