"تبخر المخزون".. واشنطن تستهلك ربع صواريخها من "أيقونة قوتها"

تدخل المواجهة العسكرية المحتدمة مع إيران شهرها الثاني وسط أجواء من القلق المتزايد في أروقة البنتاغون ومراكز صناعة القرار في إسرائيل، إذ لم تعد المخاوف تقتصر على التصعيد الميداني الفوري، بل تمتد لتطال جوهر القدرة الإستراتيجية واستدامة الترسانة العسكرية التي تعتمد عليها القوى الكبرى وحلفاؤها في المنطقة.
وفي تقرير استقصائي مفصل أعده الصحفيون دان لاموث وتارا كوب ونوح روبرتسون لصحيفة واشنطن بوست، كشفت البيانات المسربة والتقارير الميدانية عن حقيقة إستراتيجية بدأت تفرض نفسها على طاولات التخطيط العسكري، وهي أن المخزونات الصاروخية الأكثر تطورا لدى الولايات المتحدة بدأت تلامس مستويات منخفضة بشكل مثير للقلق، مما يضع القادة العسكريين أمام معضلة المخازن الفارغة في وقت لا يبدي فيه الخصم الإيراني أي علامة على التراجع.

حروب الاستنزاف الكمي
وتؤكد واشنطن بوست في تقريرها أن حجم الاستنزاف الذي شهدته الأسابيع الأربعة الماضية، يعادل حرفيا ما تتطلبه خطوط الإنتاج الدفاعية سنوات كاملة من العمل المستمر لتوفيره، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول قدرة الجيوش الحديثة فائقة التكنولوجيا على الصمود في حروب الاستنزاف الكمي.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsوفي قلب هذه الأزمة الجيوسياسية المتفاقمة، تبرز صحيفة واشنطن بوست حقيقة أن معدل استهلاك صواريخ توماهوك كروز يُعَد من أخطر المؤشرات على تآكل القدرة الهجومية الأمريكية بعيدة المدى، إذ أفادت مصادر مطلعة من داخل وزارة الدفاع للصحيفة بإطلاق أكثر من 850 صاروخا من هذا الطراز خلال 4 أسابيع فقط من القتال الجوي والبحري المكثف.
هذه الصواريخ، التي تصفها واشنطن بوست بأنها أيقونة القوة الجراحية الأمريكية ومفتاح تفوقها منذ عقود، تستهلك الآن بمعدلات تفوق قدرة قطاع الصناعات الدفاعية على التعويض بمراحل شاسعة ومقلقة.
واشنطن بوست:
المعروض العالمي من صواريخ توماهوك محدود بطبيعته وضيق النطاق، إذ لا يتم تصنيع سوى بضع مئات منها سنويا في أحسن الأحوال، مما يعني أن استهلاك هذا العدد الضخم يمثل تبديد ما يقرب من ربع المخزون الإجمالي الفعلي للبحرية الأمريكية في صراع واحد فقط.
صواريخ توماهوك
وتوضح واشنطن بوست أن المعروض العالمي من صواريخ توماهوك محدود بطبيعته وضيق النطاق، إذ لا يتم تصنيع سوى بضع مئات منها سنويا في أحسن الأحوال، مما يعني أن استهلاك هذا العدد الضخم يمثل تبديد ما يقرب من ربع المخزون الإجمالي الفعلي للبحرية الأمريكية في صراع واحد فقط، وهو ما دفع كبار المسؤولين في البنتاغون، وفقا للصحيفة، إلى عقد اجتماعات طارئة ومناقشات داخلية عاجلة حول كيفية توفير المزيد من هذه الأسلحة الحيوية.
من جانبها، ترسم صحيفة وول ستريت جورنال صورة مكملة ومثيرة للقلق على الجبهة الإسرائيلية، حيث ذكرت المراسلة أنات بيليد في تقرير لها من القدس أن إسرائيل بدأت فعليا في تطبيق سياسة تقنين صارمة وجراحية لاستخدام صواريخها الاعتراضية الأكثر تطورا وفعالية.
وتنقل وول ستريت جورنال عن مصادرها أن هذا القرار الصعب يعكس ضغوطا هائلة وغير مسبوقة على سلاسل الإمداد نتيجة استمرار الحرب، حيث تجد إسرائيل نفسها اليوم مجبرة على الموازنة اللحظية بين حماية أهداف إستراتيجية ومرافق حيوية وبين الحفاظ على ما تبقى في مخازنها من أسلحة دفاعية لمواجهة موجات قادمة قد تكون أكثر عنفا.

مأزق ظهر في ديمونا وعراد
وتؤكد وول ستريت جورنال أن هذا المأزق تجلى بشكل صارخ عندما أصاب صاروخان باليستيان إيرانيان بلدتي ديمونا وعراد إصابة مباشرة، بعد فشل محاولات اعتراضهما باستخدام نسخ معدلة من ذخائر أقل تطورا كانت تهدف لتوفير الصواريخ الأغلى ثمنا، مما دق أجراس الإنذار في جميع أنحاء البلاد حول كفاية المظلة الدفاعية.
وبالعودة إلى التفاصيل الفنية واللوجيستية، توضح صحيفة واشنطن بوست أن تكلفة صاروخ توماهوك من الأجيال الحديثة، الذي يتيح للقوات التواصل المباشر عبر الأقمار الصناعية، تصل إلى نحو 3.6 ملايين دولار للصاروخ الواحد، والأهم من ذلك أن تصنيعه يستغرق عامين كاملين من العمل التقني الدقيق.
وتشير واشنطن بوست إلى فجوة هائلة ومقلقة بين التخطيط لميزانيات وقت السلم، حيث لم يدرج سوى 57 صاروخا فقط للشراء العام الماضي، وبين المتطلبات القاسية والمفاجئة لحرب واسعة النطاق ضد عدو مثل إيران يمتلك قدرة عالية على امتصاص الضربات.
ضغوط على القادة الميدانيين
وفي سياق متصل، تنقل وول ستريت جورنال عن تال إنبار، كبير المحللين في "تحالف مناصرة الدفاع الصاروخي"، قوله إن عدد الصواريخ الاعتراضية من كل نوع محدود، ومع استمرار القتال وتناقص هذا العدد، يصبح من الضروري إجراء حسابات أكثر دقة بشأن ما يجب استخدامه وما يجب ادخاره للمستقبل، وهو ما يفرض ضغوطا كبيرة على القادة الميدانيين.
وتتفق الصحيفتان على أن إستراتيجية الإشباع التي تتبعها طهران من خلال إطلاق مئات الطائرات المسيرة الانتحارية وصواريخ كروز والباليستية قصيرة المدى، نجحت في تحويل الصراع إلى سباق استنزاف لمعرفة من سينفد مخزونه أولا.
وبينما تستهلك إسرائيل والولايات المتحدة أسلحة باهظة الثمن ومعقدة التصنيع، توضح وول ستريت جورنال أن إيران تعتمد على إنتاج كمي رخيص الثمن وسهل التعويض، مما يخلق حالة من عدم التكافؤ الاقتصادي والعسكري التي ترهق الميزانيات الغربية بشكل غير مسبوق.

نقل صواريخ من مناطق أخرى
وتلفت واشنطن بوست الانتباه إلى أن هذا النقص الحاد دفع البنتاغون لمناقشة إمكانية نقل صواريخ من مناطق أخرى مثل المحيطين الهندي والهادي، وهو ما يحذر منه مارك كانسيان، كبير المستشارين في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في حديثه للصحيفة، مؤكدا أن إطلاق أكثر من ثمانمئة صاروخ توماهوك سيترك فجوة كبيرة في حال نشوب صراع في مناطق إستراتيجية أخرى من العالم.
وعلى صعيد التحركات السياسية والميزانيات، أفادت واشنطن بوست بأن البنتاغون يسعى للحصول على مخصصات مالية ضخمة من الكونغرس تتجاوز مئتي مليار دولار لتغطية الفواتير الباهظة للحرب وإعادة ملء المخازن الخاوية، وهو طلب يواجه معارضة من مشرّعين يخشون استنزاف الموارد القومية.
وتنقل الصحيفة تصريحات لوزير الدفاع بيت هيغسيث يؤكد فيها أن الأمر يتطلب أموالا لضمان إعادة تعبئة الذخيرة بالكامل وأكثر من ذلك.
وفي الختام، تخلص التقارير الواردة في واشنطن بوست ووول ستريت جورنال إلى أن العالم يواجه اليوم حقيقة قاسية، مفادها أن سنوات طويلة من الإنتاج الدفاعي المخطط والمنظم تتبخر في أسابيع قليلة من القتال المكثف، وهو ما يضعف بشكل مباشر قدرة الردع الشاملة للقوى الغربية.
حروب غير مستدامة
وتؤكد وول ستريت جورنال أن هذا النموذج من الحروب الحديثة غير مستدام على المدى الطويل، خاصة مع تناقص المخزونات وطول دورات الإنتاج التي تجعل من الصعب تعويض المفقود بالسرعة المطلوبة.
وبينما يستمر تدفق الصواريخ والمسيّرات في سماء الشرق الأوسط، يظل التحدي اللوجيستي والقدرة الصناعية هما العاملان الحاسمان في تحديد مسار الصراع، وفقا لرؤية الصحيفتين، مما يضع المجتمع الدولي أمام مرحلة جديدة من إعادة تقييم موازين القوة ومعايير النصر في ظل تآكل الترسانات التقليدية والحديثة على حد سواء.